|
تعتبر ثورة الملك والشعب الحدث الأبرز في مغرب الكفاح من أجل الحرية الاستقلال .
ففي هذا الحدث التقت إرادتين:إرادة أب الوطنية وبطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، و إرادة الشعب المغربي المجند وراء ملكه الشرعي دفاعا عن سيادته وكرامته ومكانته بين الأمم .
واشتدت حرارة الكفاح الوطني بعد أن امتدت أيدي الاستعمار إلى الملك الشرعي جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه و أسرته الكريمة إلى جزيرة كورسيكا في 20 غشت 1953 و بعدها جزيرة مدغشقر في شهر فبراير 1954.
ومن تجليات ثورة الملك والشعب المجيدة تأسيس الوطنيين للتنظيمات الفدائية بالمدن والبوادي المغربية ، و أسفر هذا الجهد التنظيمي عن تخطيط وتنفيذ عدة عمليات فدائية لضرب مصالح الاستعمار والمعمرين ، إلى أن تعززت شوكة المقاومة المغربية فتم تكوين جيش التحرير بشمال المملكة وباشر هذا الجيش عملياته في 1 و2 أكتوبر 1955 .
وقد سجلت حركة المقاومة وجيش التحرير سلسلة من الانتصارات في ضربها لمصالح الاستعمار والمعمرين مطالبة بعودة ملكها الشرعي إلى عرشه و إعلان استقلال المغرب ، مما كان له تأثير على الأحداث فأرجعت الحكومة الفرنسية أب الوطنية من منفاه بمدغشقر إلى فرنسا في أواخر أكتوبر 1955 ، وإجراء مفاوضات سان كلو التي انتهت بتصريح مشترك يعترف بحق المغرب في الاستقلال .
وفي يوم 16 نونبر 1955 عاد جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه و أسرته الكريمة من المنفى حاملا بشرى الاستقلال التي أكدها من جديد في الخطاب التاريخي الذي ألقاه رضوان الله عليه يوم 18 نونبر 1955 بمناسبة الذكرى الثامنة والعشرين لاعتلائه عرش أسلافه الميامين.
وتحرص المندوبية السامية والمجلس الوطني المؤقت لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير على تخليد هذه الذكرى يوم 20 غشت من كل سنة ، وخلال هذه السنة تم تخليد ذكراها الذهبية بمناسبة مرور خمسين سنة على هذا الحدث الجليل ، وتستمر فعاليات الاحتفال بها إلى غاية الاحتفال بالذكرى الثامنة والأربعين لعيد الاستقلال المجيد في 18 نونبر 2003.
ثورة الملك والشعب : الجذور والامتدادات
درس افتتاحي ألقاه الدكتور مصطفى الكتيري
المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير
يوم 13 أكتوبر 2003 بكلية الآداب والعلوم الانسانية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة
السؤال الذي يظل يلاحق النخب ورجال السياسة والفكر والباحثين ينصب حول المشروع الوطني المجتمعي النهضوي الذي استهدفته الدعوة إلى الإصلاح والتحديث والتقدم في سياق التراكمات والتحولات السياسية التي اكتست نضجها ومصداقيتها مع ثورة الملك والشعب .
ويستأثر الموضوع باهتمام متميز الى المزيد من التفكير والبحث والتقصي لفهم الإطار المفاهيمي والفكري والمعرفي الذي يجب أن تتملكه ثورة وطنية هي بحق حدث جيلي كما ميزها بعض المحللين المرموقين تلقي بظلالها التاريخية الوارفة على الحاضر والمستقبل لتشكل استمرارية ضمن نسيج المشهد السياسي والحضاري والاجتماعي المغربي ضمن نسيج هذا المشهد في امتداداته التاريخية القديمة والحديثة.
ويندرج استحضار واستقراء الحدث تمشيا مع التوجيهات المولوية السامية بمناسبة تخليد الذكرى الذهبية لثورة الملك والشعب التي تستدعي وقفة تأمل يعتبر هذا الدرس الافتتاحي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شعيب الدكالي أحد لحظاتها المميزة. وان تناول ثورة الملك والشعب واختيارها موضوعا لدرس جامعي تمهيدي لسلسلة دروس مفتوحة على هذه الملحمة التاريخية تعود بنا في مستهل الحدث الى الإشارة القوية والرسالة السامية التي حملها الخطاب التاريخي لجلالة المغفور له الحسن الثاني بمناسبة افتتاح أشغال المؤتمر التأسيسي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير يوم 26 مارس1973 تأكيدا منه رحمه الله على أهمية ووجاهة كتابة وقراءة وتحليل تاريخ ملحمة العـرش والشعـــب قائلا : " واعلموا إخواني أن عليكم رسالة مقدسة وعليكم واجبا مقدسا، ألا وان تكونوا بمثابة الكتب الحية الناطقة لملحمة لم يكتب عنها إلا القليل، ألا وهي ملحمة الاستقلال، ملحمة شعب تضرع وأن تحت الاستعمار ما يزيد عن أربعين سنة ، لا قوة له ولا حول إلا إيمانه وعزيمته، المستعمر بيده كل شيء، المال، والجيش، والشرطة، والوسائل، والمغاربة لا وسيلة لهم إلا الالتحام الوثيق بين ملك ضحى ووفي ما عاهد الله عليه، وبين شعب كان وفيا لملكه ومشـــى فــي طريق العــز ومشــى في ركـاب الفخـار، وان أبناءنا و أبناء أبنائنا ليجهلون هذا كله، وليسوا مسؤولين بل نحن المسؤولون: كتبنا المدرسية خالية من هذا، كلياتنا لا تدرس هذا، آثارنا لا تدل على هذا، معالمنا، حتى في الطريق، ليس لها ما يدل على هذا.فعساكم وعساكم أن تسدوا هذا الفراغ، و أرجوكم أن تسدوا هذا الفراغ، فتكون أسرتي هذه بمثابة كتاب ناطق، كتاب حي في جميع البيوت، في جميع المجتمعات، في الأندية، في كل مكان، حتى يعرفوا أن هذا الاستقلال لم يأت سهلا ولم يأت عبثا ولم يأت صدفـــة، ولكن جـــــاء بعد سنين مريرة من التضحية والكفــــــاح".
ولقد واصل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله التأكيد على رسالة والده جلالة المغفور له الحسن الثاني ، في الخطاب الذي ألقاه يوم 20 غشت 1999 بمناسبة الذكرى السادسة والأربعين لثورة الملك والشعب مبرزا فيه مدى أهمية العناية بملاحمنا المجيدة وخاصـة ذكرى ثــورة الملـــك والشعب بقولــه : "ونحرص على أن نؤكد أننا التزاما منا بالميثاق النضالي الذي سلمه لنا والدنا بعد ان تسلمه من جدنا يرحمه الله واياه ومتابعة للبناء الشامخ الذي أقاماه وتشبتا بالآصرة المتينة التي تشدك إلينا وتشدنا إليك ، نحيي هذه الذكرى الوطنية المجيدة وسنواصل إن شاء الله إحياءها باعتبارها ذكرى للامة كلها تحتم علينا على الدوام استحضار أرواح جميع المقاومين للتزود من جهادهم المتفاني والتذكير بما بذلوا من تضحيات كبيرة في شتى الأقاليم ومختلف المواقع "( انتهى كلام صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله) .
|