التشغيل الذاتي والعمل المقاولاتي والاقتصاد الاجتماعي البداية والحصيلة

فيما سبق كانت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير تعتمد كليا في معالجة مشكل البطالة في صفوف أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير على ما تخصصه الإدارات والمؤسسات العمومية وشبه العمومية والجماعات المحلية من مناصب لفائدة أسرة المقاومة وجيش التحرير مستندة في ذلك على المقتضيات القانونية والتنظيمية التي لا تلزم الإدارات العمومية بتوظيف أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير إذ أن المرسوم رقم 2.64.389 بتاريخ 19 غشت 1964 ينص بصراحة على تخويل الأسبقية في التوظيف لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وحدهم عندما كانوا في سن التوظيف ، ومع ذلك فلقد ظل العمل جاريا بهذا الامتياز حتى بالنسبة لأبنائهم في حدود المناصب المتاحة والمتوفرة والتي هي في واقع الحال محدودة.

ومنذ مطلع سنة 2001، وفي الوقت الذي أصبحت فيه فرص العمل بالقطاع العام جد محدودة ولم يعد بالإمكان الاعتماد على الوظيفة العمومية لحل مشكل البطالة في صفوف المنتمين، اعتمدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير مقاربة التشغيل الذاتي والعمل المقاولاتي والتي تزامنت مع التوجيهات الملكية السامية الهادفة إلى إشراك كل الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين ومنظمات المجتمع المدني في خلق تنمية شاملة مبنية على أسس تكافل وتضامن كل الفئات ونهج سياسة واضحة لتأهيل الاقتصاد الوطني والرفع من قدراته في مواجهة التنافسية والعولمة.
وفي هذا السياق، دخلت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير لأول مرة تجربة التشغيل الذاتي التي تطلبت منها في بداية الأمر التفكير في أساليب جديدة وتوفير آليات ووسائل لإنجاح هذا الخيار وبلوغ الأهداف المتوخاة المتمثلة في إدماج أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في المجهود الوطني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ونشر ثقافة المبادرة الحرة في أوساطهم .

» اللقاءات التواصلية والتحسيسية؛

» إبرام اتفاقيات إطار – للتعاون والشراكة؛

» العمل الجمعوي والتعاوني؛

» التكوين والتأهيل في مجال التشغيل الذاتي والعمل المقاولاتي.

1-اللقاءات التواصلية:من الأساليب الجديدة التي تم التركيز عليها في بلورة خيار التشغيل الذاتي، اللقاءات التواصلية والتحسيسية التي شكلت مناسبة سانحة للتواصل مع أفراد أسرة المقاومة وجيش التحرير والوقوف عن كتب على أهم القضايا التي تستأثر باهتماماتهم وتجسير علاقات التعاون مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
ومن الأكيد أن هذا الأسلوب جسد المفهوم الجديد لإدارة القرب في تدبير الشأن العام لقطاع المقاومة وجيش التحرير، ومحطة أساسية تم من خلالها إقناع شباب أسرة المقاومة وجيش التحرير من أجل الانخراط في هذا التوجه وتشجيعهم وتحفيزهم على التشغيل الذاتي والعمل المقاولاتي وقد تجاوز عدد اللقاءات التواصلية والأيام الإعلامية والتحسيسية 1200 لقاء تواصلي ترأسها السيد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ما بين 2001 و مارس 2015 همت جميع ولايات وعمالات وأقاليم المملكة بتنسيق وتعاون مع السلطات المحلية وكل الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية ذات الاهتمام المشترك .

ومن النتائج الايجابية لهذه اللقاءات ما عبر عنه عدد لا بأس به من شباب أسرة المقاومة وجيش التحرير من استعداد ورغبة في خوض غمار التشغيل الذاتي من خلال تقديم مجموعة من أفكار مشاريع تبلورت إلى مقاولات صغرى ومتوسطة شملت مختلف المجالات كالتجارة والخدمات والفلاحة والصناعة الحرفية والنقل والتعليم والانخراط في العمل الجمعوي والتعاوني.

2-اتفاقيات التعاون والشراكة: ركائز دعم ومساندة:من خلال الاشتغال مع المنتمين حاملي أفكار مشاريع، ونظرا لحداثة التجربة برزت صعوبات وإكراهات استوجب البحث عن وسائل الدعم والمساندة بغاية إيجاد الحلول الملائمة والممكنة للمشاكل المرتبطة بالمراحل التي تمر منها عملية إحداث المقاولة وما تتطلبه من توجيه وتكوين ودراسة الجدوى ومواكبة مراحل المشروع والمساعدة على الحصول على قروض الاستثمار وقد تطلب الأمر الاستعانة بعدد من القطاعات ذات الاختصاص ومهتمة بمجال التنمية مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين من مؤسسات حكومية ومرافق عمومية ومنظمات المجتمع المدني استهدفت بنودها تدليل الصعوبات وإيجاد الحلول الممكنة لدعم مبادرات أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير للانخراط في هذه التجربة على أسس سليمة.

وباعتبار تعدد مجالات التعاون التي تنص عليها بنود الاتفاقيات فإن تقييم نتائج تفعيلها تشمل مختلف جوانب العمل المقاولاتي بدأ بتقديم النصح والتوجيه والإرشاد للمنتمين حاملي أفكار مشاريع ومساعدتهم في إعداد دراسة الجدوى للمشاريع المقدمة وإيجاد مصادر التمويل بالإضافة إلى مساعدات أخرى مالية وعينية. وقد تم إبرام عدد مهم من اتفاقيات التعاون في هذا المجال بلغت لغاية تاريخه 149 اتفاقية.

ووعيا بما يمثله الجانب المالي من إكراهات وصعوبات في إخراج مشاريع أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير إلى حيز الوجود بادر السيد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير إلى إبرام اتفاقيتين مع البنك الشعبي المركزي ومؤسسة البنك الشعبي لإنشاء المقاولات واتفاقية مع القرض الفلاحي نصت بنود هذه الاتفاقيتين على تمويل المشاريع المقدمة من لدن أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بشروط تفضيلية على أساس إخضاعها لدراسة الجدوى وتوفرها على الشروط الضرورية لإنشاء المقاولة.

3-العمل الجمعوي والتعاوني: رافعة أساسية للتنمية المستدامة.

من الأكيد أن الجمعيات والتعاونيات أصبحت تعتبر في الوقت الحاضر من المكونات الأساسية للاقتصاد الاجتماعي ومقاولات من نوع خاص تلعب دورا حيويا في تأطير الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والدفع بالتنمية المستدامة وتتميز بتدخلها السريع والفعال في عدة أنشطة مكملة للعمل الحكومي في مجال التنمية ومحاربة الفقر.
وفي هذا السياق، وموازاة مع المبادرات الفردية لأبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في مجال التشغيل الذاتي والعمل المقاولاتي ، فقد انصب اهتمام المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير كذلك على الحقل الجمعوي والتعاوني حيث قامت بحملات إعلامية وتحسيسية في أوساط المنتمين إليها لتعريفهم بأهمية الفعل الجمعوي والتعاوني والانخراط في هذا القطاع الذي يعد بحق أحد الروافد الأساسية للتضامن الاجتماعي والتنمية الشاملة والمستدامة بكل أبعادها . وقد أثمرت الجهود المبذولة في هذا المضمار إحداث 135 جمعية ، معظم أعضائها من المنتمين لأسرة المقاومة وجيش التحرير و 91 تعاونية تضم في عضويتها 834 من المتعاونات و المتعاونيــــــــــن من بينهم 394 من المنتمين لأسرة المقاومة وجيش التحرير وبرأسمال وصل مقداره الى 1.918.350 درهم.

ومن الجدير بالذكر، أن الجمعيات والتعاونيات المحدثة في صفوف أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير تلقت إمدادات مالية وعينية بلغت في مجملها 13.394.008 درهم ، كما استفاد 601 مشروعا فرديا صغيرا ومتوسطا من مساعدات مالية بمبلغ 7.709.260 درهم منها 6.844.080 درهم خولتها المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في شكل منح وإمدادات تحفيزية على الانخراط في مجال التشغيل الذاتي .

وهكذا بلغ الغلاف المالي الإجمالي للمنح والمساعدات المالية والعينية المقدمة من مختلف القطاعات والمؤسسات المانحة 21.753.268 درهم منها 7.630.696درهم تم تخصيصها في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

وإن جهود المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير لم تقف عند هذا الحد بل كانت تسعى دائما إلى تطوير العمل الجمعوي والارتقاء به إلى مستوى أفضل عن طريق جمع شتات جمعيات أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير المتواجدة عبر التراب الوطني، وهذا ما تحقق بعون من الله يوم 26 شتنبر2009 بمدينة الجديدة خلال الملتقى الوطني الذي دعت إليه وأشرفت على تنظيمه المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وأسفر عن ميلاد فدرالية وطنية لجمعيات أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير تضم ممثلين عن جمعيات أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بكل جهة من جهات المملكة . وقد اصبح هذا التنظيم الفيدرالي بعد ما يقارب 5 سنوات من الوجود كيانا قائما بالذات ، استطاع تحقيق عدة منجزات ليس في مجال التشغيل الذاتي والعمل المقاولاتي فحسب بل في مجال صيانة الذاكرة التاريخية الوطنية ويسعى اليوم إلى تعزيز حضوره على المستويين الداخلى والخارجي .

إن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وهي تبادر إلى احتضان وتشجيع هذه المبادرات ، انطلاقا من مقاربتها الجديدة لتدبير شؤون أسرة المقاومة وجيش التحرير، لتبارك كل خطوة ومبادرة تصب في هذا الاتجاه وتندرج فيه بوعي والتزام وهي على أتم الاستعداد للمساهمة في توفير شروط وتأمين ظروف تحقيق هذه الأهداف في حدود الإمكان، والتعاون مع كل الجهات المعنية لتيسير الأمور وتدليل الاكراهات والصعاب، حتى يستطيع أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير الخروج بمشاريع هادفة ذات مردودية في مختلف مناحي العمل الاجتماعي والاقتصادي.

4-التكوين والتأهيل: عنصر أساسي للشغل والاندماج.

شعورا بالأهمية التي يضطلع بها التكوين في تيسير إدماج أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في المحيط المهني وتوفير شروط أفضل للاستفادة من فرص العمل المتاحة، إنصب الاهتمام حول تحسيس المنتمين بضرورة الحصول على مؤهلات مهنية وحرفية من خلال الاستفادة مما توفره بنود الاتفاقيات التي تم إبرامها مع مختلف الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني، وكذا الاستفادة من البرامج التكوينية المتوفرة بالقطاعات المكونة.
ولعل أهمية التكوين تقتصر على كونه عنصر ضروري للاستفادة من برامج التشغيل، بل أيضا أهميته مرتبطة بالعمل على إحداث مشاريع صغرى ومتوسطة، إذ أن المؤهلين مهنيا وحرفيا يتوفرون على حظوظ أوفر للاندماج بشكل أعمق في تجربة خيار التشغيل الذاتي.

وفي هذا المضمار، قامت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بجهود جبارة بتعاون مع شركائها لتلقين المنتمين، التكوين الضروري والمبادئ الأولية التي تؤهلهم للانغمار في العمل المقاولاتي.
و بتظافر جهود الجميع من منتمين ومصالح المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وشركائها من قطاعات مختلفة، أمكن تكوين العديد من المنتمين من بينهم أعضاء بجمعيات وتعاونيات أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير والأطر القيمة على خلايا التشغيل الذاتي بالنيابات الجهوية والإقليمية والمكاتب المحلية وقد ساهمت في هذه النتيجة عدد من القطاعات نخص بالذكر منها مكتب تنمية التعاون، غرف الصناعة والتجارة والخدمات، مؤسسة البنك الشعبي لإنشاء المقاولات الصغرى، الجمعية المغربية لدعم المقاولات الصغرى، الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، الغرف الفلاحية .
ونتيجة للتعاون الجاد والمثمر القائم بين المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وشركائها على المستوى المركزي والجهوي والإقليمي فقد تمكن عدد من أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير خلال الفترة المتراوحة ما بين سنة 2001 ومتم شهر مارس 2015 بدعم من مصالح المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير توجيها و تأطيرا وتكوينا ودعما ماليا ، من إحداث 1666 مقاولة صغرى ومتوسطة تشغل 5232 فردا من بينهم 2780 منتميا.

بالإضافة إلى إحداث جمعيات وتعاونيات من لدن أبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
صحيح أن هؤلاء المقاولين الشباب صادفتهم بعض الصعوبات والاكراهات سواء تعلق الأمر بالجوانب التقنية والإدارية أو فيما يخص عملية التمويل، لكن بالعزيمة والاعتماد على الذات وما وفرته لهم مصالح المندوبية السامية وشركاؤها من دعم ومساعدة استطاعوا تجاوز المشاكل والصعاب وتمكنوا من إخراج مشاريعهم إلى حيز الوجود، فقبل سنوات كان هؤلاء المنتمين مسجلين للحصول على وظيف وأملهم وطيد في أن يستجاب لطلباتهم أمام قلة مناصب العمل المتوفرة بالقطاع العام أما اليوم وبفضل الدعم المقدم لهم وإرادتهم وإيمانهم الراسخ بخيار التشغيل الذاتي فقد استثمروا أفكارهم وإمكانياتهم الذاتية ووصلوا إلى تحقيق نتائج مشجعة وأصبحوا مشغلين بعد أن كانوا يرغبون في الحصول على شغل.